عمر فروخ

36

تاريخ الأدب العربي

وكثر العمران في أيام هارون الرشيد واستبحرت الحضارة وعمّ الترف وازدهرت العلوم والآداب وعظمت هيبة الدولة . ويعدّ عصر هارون الرشيد ذروة القوة السياسية للعرب وأزهى ما بلغت اليه عصورهم في العمران والحضارة والأدب والعلوم . وخلف هارون الرشيد ثلاثة من بنيه : الأمين والمأمون والمعتصم . وكان الرشيد قد قسم الإمبراطورية سنة 175 ه ( 791 م ) بين الأمين والمأمون ، فأوصى للأمين بالملك على غرب الإمبراطورية ( بغداد وما يقع غربها ) حيث يسود العنصر العربي ويكثر أنصار الأمين ، وأوصى للمأمون بالملك على شرقيّ الإمبراطورية ( ما يقع شرق بغداد ) حيث يكثر العنصر الفارسي وأنصار المأمون . ويبدو أن القسمة على هذا الشكل كانت راجعة إلى أن أمّ الأمين كانت عربية بينما أمّ المأمون كانت فارسية . وسرعان ما نشب النزاع بين الأخوين وانتهى بمقتل الأمين سنة 199 ه ( 813 م ) وإعادة وحدة الإمبراطورية تحت سلطة المأمون . ولكنّ المأمون انقلب بعد مقتل أخيه على السياسة الفارسية العلوية وترك عاصمته مرو ( في خراسان ) وعاد إلى بغداد سنة 204 ه . غير أن النفوذ الفارسي في الدولة والجيش والحياة لم يضعف . فلما جاء المعتصم سنة 218 ه ( 833 م ) فتح أبواب الجيش للأتراك ليقاوم بهم النفوذ الفارسي . ولكن لما كثر الجند الأتراك في بغداد كثر شغبهم فيها فبنى لهم المعتصم مدينة سامرّا ( على أربعين كيلومترا شمال بغداد ) لتكون لهم معسكرا . ويحسن أن نذكر أن أمّ المعتصم كانت تركية . من أجل ذلك أصبحت سامرّا ، في فترة من الزمن ، عاصمة للخلافة العباسية . وقد حدث في خلافة المعتصم حدثان هامّان : القضاء على فتنة بابك الخرّميّ وقطع دابر الفتن السياسية الدينية ، ثم فتح عمورية ( في آسية الصغرى ) وخضد شوكة الروم . وخلف المعتصم اثنان من أولاده : الواثق سنة 227 ه ( 842 م ) والمتوكّل سنة 232 ه ( 847 م ) ، ولم يحدث في أيامهما إلّا اتساع نفوذ الأتراك في الجيش ، حتى صار رؤساء الجند يتلاعبون بالخلفاء فيقتلون من شاءوا ويولّون من شاءوا . وقد بدأ استعلاؤهم بقتل المتوكل نفسه ، سنة 247 ه ( 861 م ) ، ثم لم يبق للخلافة زهو بعد ذلك ولم يبق للخلفاء سلطان .